فصل: بَاب الدَّعْوَى فِي النِّتَاجِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المبسوط



.بَاب الدَّعْوَى فِي النِّتَاجِ:

(قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ دَابَّةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ادَّعَاهَا آخَرُ أَنَّهَا دَابَّتُهُ نَتَجَهَا عِنْدَهُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ قُضِيَ بِهَا لِذِي الْيَدِ اسْتِحْسَانًا)، وَفِي الْقِيَاسِ يُقْضَى بِهَا لِلْخَارِجِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُ اللَّهُ وَوَجْهُهُ أَنَّ مَقْصُودَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إثْبَاتُ الْمِلْكِ حَتَّى لَا يَصِيرَ خَصْمًا لَا بِدَعْوَى الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ وَفِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ لَا تُعَارِضُ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ كَمَا بَيَّنَّا فِي دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ تُوجِبُ الِاسْتِحْقَاقَ مِنْ الْأَصْلِ كَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى النِّتَاجِ إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا لِلْأَثَرِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ الْهَيْثَمِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى نَاقَةً بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا نَاقَتُهُ نَتَجَهَا، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَابَّتُهُ نَتَجَهَا فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا لِلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ»؛ وَلِأَنَّ يَدَ ذِي الْبَيِّنَةِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ الْمِلْكِ فَهُوَ يُثْبِتُ مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ فَوَجَبَ بِظَاهِرِ يَدِهِ فَوَجَبَ قَبُولُ الْبَيِّنَةِ.
ثُمَّ تَتَرَجَّحُ بِيَدِهِ بِخِلَافِ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَإِنَّ هُنَاكَ لَا يُثْبِتُ بِبَيِّنَتِهِ إلَّا مَا هُوَ ثَابِتٌ لَهُ بِظَاهِرِ يَدِهِ فَوَجَبَ قَبُولُ بَيِّنَتِهِ، وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ، وَهُوَ أَنَّ حَاجَةَ ذِي الْيَدِ إلَى دَفْعِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَفِي إقَامَتِهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ مَا يَدْفَعُ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ النِّتَاجَ لَا يَتَكَرَّرُ فَإِذَا أَثْبَتَ أَنَّهُ نَتَجَهَا انْدَفَعَ اسْتِحْقَاقُ الْخَارِجِ ضَرُورَةً، فَأَمَّا فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَلَيْسَ فِي بَيِّنَتِهِ مَا يَدْفَعُ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِي الْحَالِ لَا يَبْقَى مِلْكًا كَانَ لِلْخَارِجِ فِيهِ مِنْ قَبْلُ فَلِهَذَا عَمِلْنَا بَيِّنَةَ الْخَارِجِ هُنَاكَ وَكَانَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ الطَّرِيقُ عِنْدِي فِي النِّتَاجِ تَهَاتُرُ الْبَيِّنَتَيْنِ؛ لِتَيَقُّنِ الْقَاضِي بِكَذِبِ أَحَدِهِمَا إذْ لَا تَصَوُّرَ لِنِتَاجِ دَابَّةٍ مِنْ دَابَّتَيْنِ.
فَإِنَّمَا يُقْضَى بِهَا لِذِي الْيَدِ فَصَارَ تَرْكًا لِتَهَاتُرِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْخَارِجَيْنِ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ إنَّمَا يُقْضَى بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مَا قَالَ لَكَانَ يُتْرَكُ فِي يَدِ ذِي الْيَدِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الشَّاةُ الْمَذْبُوحَةُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَسِقْطُهَا فِي يَدِ الْآخَرِ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ فِيمَا يُقْضَى بِهَا وَبِالسِّقْطِ لِمَنْ فِي يَدِهِ أَصْلُ الشَّاةِ، وَلَوْ كَانَ الطَّرِيقُ تَهَاتُرَ الْبَيِّنَتَيْنِ لَكَانَ يُتْرَكُ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِهِ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ تَيَقَّنَ بِكَذِبِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى النِّتَاجِ لَيْسَ بِمُعَايَنَةِ الِانْفِصَالِ فِي الْأُمِّ بَلْ بِدُونِهِ الْفَصِيلُ يَتْبَعُ النَّاقَةَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ اعْتَمَدَ سَبَبًا صَحِيحًا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا، وَلَا يُصَارُ إلَى التَّهَاتُرِ بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْمِلْكَيْنِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوِلَادَةِ فِي مِلْكِهِ فَهَذَا وَالنِّتَاجُ فِي الدَّابَّةِ سَوَاءٌ.
وَكَذَلِكَ إذَا أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ثَوْبَهُ نَسَجَهُ فَإِنَّ النَّسْجَ فِي الثَّوْبِ يُوجِبُ أَوْلَوِيَّةَ الْمِلْكِ فِيهِ وَهُوَ لَا يَتَكَرَّرُ كَالنِّتَاجِ فِي الدَّابَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ بِحَيْثُ يُنْسَجُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ كَالْخَزِّ يُنْسَجُ، ثُمَّ يُنْكَثُ فَيُغْزَلُ ثَانِيًا فَحِينَئِذٍ يُقْضَى بِهِ لِلْخَارِجِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ النِّتَاجَ مَخْصُوصٌ مِنْ الْقِيَاسِ بِالسُّنَّةِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ إلَّا مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَأَمَّا مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ إلَّا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ لَا يَلْحَقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُلْحِقَ بِهِ؛ كَانَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَلَا يُقَاسُ عَلَى الْمَخْصُوصِ مِنْ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ الْأَصْلِ يُعَارِضُهُ وَكُلُّ قِيَاسٍ لَا يَنْفَكُّ عَمَّا يُعَارِضُهُ فَهُوَ بَاطِلٌ إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ مَا لَا يَتَكَرَّرُ فَهُوَ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَلْتَحِقُ بِهِ وَيَكُونُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِيهِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ وَمَا يَتَكَرَّرُ لَيْسَ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيُعَادُ فِيهِ إلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى الدَّابَّةَ خَارِجَانِ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَابَّتُهُ نَتَجَهَا عِنْدَهُ وَيُقْضَى بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فَإِنْ وَقَّتَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ تُوَقِّتْ بَيِّنَةُ الْآخَرِ وَهِيَ مُشْكِلَةُ السِّنِّ قُضِيَ بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يُوَقِّتْ أَثْبَتَ مِلْكَهُ فِيهَا مِنْ حِينِ وُجِدَتْ، وَالْمِلْكُ لَا يَسْبِقُ الْوُجُودَ فَلَمْ يَكُنْ التَّوْقِيتُ مُفِيدًا شَيْئًا فِي حَقِّ مَنْ وَقَّتَهُ إذَا كَانَتْ مُشْكِلَةُ السِّنِّ فَكَانَ ذِكْرُهُ كَعَدَمِ ذِكْرِهِ فَإِنْ كَانَ السِّنُّ عَلَى أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ، وَقَدْ وَقَّتَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقْتًا قَضَيْتُ بِهَا لِمَنْ وَافَقَ تَوْقِيتُهُ سِنَّ الدَّابَّةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخَرِ؛ لِأَنَّ عَلَامَةَ الصِّدْقِ ظَهَرَتْ فِي شَهَادَةِ مَنْ وَافَقَ سِنَّ الدَّابَّةِ تَوْقِيتُهُ.
وَعَلَامَةُ الْكَذِبِ تَظْهَرُ فِي شَهَادَةِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ فَيُقْضَى بِالشَّهَادَةِ الَّتِي ظَهَرَ فِيهَا عَلَامَةُ الصِّدْقِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الْوَقْتَيْنِ أَوْ كَانَتْ مُشْكِلَةً قَضَيْتُ بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
مِنْ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ مَنْ قَالَ: جَمَعَ فِي السُّؤَالِ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ أَحَدِهِمَا وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ مُشْكِلَةً فَأَمَّا إذَا كَانَ سِنُّهَا عَلَى غَيْرِ الْوَقْتَيْنِ يُعْلَمُ ذَلِكَ، ظَهَرَ بُطْلَانُ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي وَاحِدًا وَوَقْتُ شُهُودِهِ الْمِلْكَ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ وَهِيَ بِنْتُ ثَلَاثِينَ سَنَةٍ أَنَّ بَيِّنَتَهُ بَاطِلَةٌ فَكَذَلِكَ هُنَا إذَا كَانَ سِنُّهَا عَلَى غَيْرِ الْوَقْتَيْنِ فَقَدْ عَلِمَ الْقَاضِي بِمُجَازَفَةِ الْفَرِيقَيْنِ وَكَذِبِهِمَا فِي الشَّهَادَةِ، وَقَدْ فَعَلَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مِثْلَ هَذَا فِي الْكِتَابِ، جَمَعَ بَيْنَ السُّؤَالَيْنِ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ أَحَدِهِمَا وَتَرَكَ الْآخَرَ فِي النِّكَاحِ، وَالْإِجَارَاتِ وَغَيْرِهِمَا أَوْ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ أَوْ كَانَتْ مُشْكِلَةً أَوْ تَأْتِي بِمَعْنَى الْوَاوِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَوْ يَزِيدُونَ} مَعْنَاهُ: وَيَزِيدُونَ فَهُنَا أَيْضًا مَعْنَاهُ إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ الْوَقْتَيْنِ، وَكَانَتْ مُشْكِلَةً فَحِينَئِذٍ الْجَوَابُ صَحِيحٌ وَالْأَصَحُّ أَنْ يَقُولَ جَوَابُهُ صَحِيحٌ لِلْفَصْلَيْنِ أَمَّا إذَا كَانَتْ مُشْكِلَةً؛ فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الْوَقْتَيْنِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ ذِكْرِ الْوَقْتِ لَحِقَهُمَا وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي اعْتِبَارِهِ إبْطَالُ حَقِّهِمَا فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ ذِكْرِ الْوَقْتِ أَصْلًا وَيُنْظَرُ إلَى مَقْصُودِهِمَا وَهُوَ إثْبَاتُ الْمِلْكِ فِي الدَّابَّةِ، وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ فَوَجَبَ الْقَضَاءُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَا التَّوْقِيتَ بَطَلَتْ الْبَيِّنَتَانِ وَبَقِيَتْ فِي يَدِ ذِي الْيَدِ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمَا عَلَى ذِي الْيَدِ فَكَيْفَ يُتْرَكُ فِي يَدِهِ مَعَ قِيَامِ حُجَّةِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى النَّسْجِ وَالثِّيَابِ، وَالنِّتَاجِ وَالْمِلْكِ لَهُ، وَأَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ قَضَيْتُ بِهَا لِذِي الْيَدِ عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ اسْتَوَيَا فَيَتَرَجَّحُ ذُو الْيَدِ بِحُكْمِ يَدِهِ، وَإِنْ وَقَّتَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الدَّابَّةِ وَقْتَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ عَلَى وَقْتِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي قَضَيْتُ بِهَا لَهُ؛ لِأَنَّ عَلَامَةَ الصِّدْقِ ظَهَرَتْ فِي شَهَادَةِ شُهُودِهِ وَعَلَامَةُ الْكَذِبِ ظَهَرَتْ فِي شَهَادَةِ شُهُودِ ذِي الْيَدِ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ عَلَى وَقْتِ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ أَوْ كَانَتْ مُشْكِلَةً قَضَيْتُ بِهَا لِذِي الْيَدِ إمَّا لِظُهُورِ عَلَامَةِ الصِّدْقِ فِي شُهُودِهِ أَوْ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِ التَّوْقِيتِ إذَا كَانَتْ مُشْكِلَةً قَالَ: وَإِذَا كَانَ الثَّوْبُ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ خَارِجٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ثَوْبُهُ نَسَجَهُ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ يُعْلَمُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُنْسَجُ إلَّا مَرَّةً فَهُوَ لِذِي الْيَدِ، وَإِنْ كَانَ يُعْلَمُ أَنَّهُ يُنْسَجُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَهُوَ لِلْخَارِجِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ، وَإِنْ كَانَ مُشْكِلًا لَا يَسْتَبِينُ أَنَّهُ يُنْسَجُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قَضَيْتُ بِهِ لِلْمُدَّعِي وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَصْلِ.
قَالَ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الْحَاصِلِ، وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ؛ لِأَنَّ النِّتَاجَ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مَرَّةً فَمَا لَا يَكُونُ إلَّا مُشْكِلًا لَا يَكُونُ فِي مَعْنَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ حَقِيقَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيُؤْخَذُ فِيهِ بِأَصْلِ الْقِيَاسِ وَيُقْضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي.
، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْمُنَازَعَةُ فِي نَصْلِ سَيْفٍ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ سَيْفُهُ ضَرَبَهُ فَإِنَّهُ يَسْأَلُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ مِنْ الصَّيَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا مُشْكِلٌ عَلَى الْقَاضِي فَيَسْأَلُ عَنْهُ مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وَقَالَ النَّبِيُّ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا تُنَازِعُوا الْأَمْرَ أَهْلَهُ» فَإِنْ قَالُوا: لَا يُضْرَبُ إلَّا مَرَّةً يُقْضَى بِهِ لِذِي الْيَدِ، وَإِنْ قَالُوا يُضْرَبُ مِثْلُهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَعْرِفُوا؛ يُقْضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي غَزْلٍ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ يُقْضَى بِهِ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهَا؛ لِأَنَّ الْقُطْنَ لَا يُغْزَلُ إلَّا مَرَّةً فَكَانَ هَذَا فِي مَعْنَى النِّتَاجِ وَبِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ قُطْنًا فَغَزَلَهُ بِمِلْكِهِ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ إذَا غَزَلَهُ، وَنَسَجَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْفَصْلَ، وَلَمَّا جَعَلَهُ هُنَا فِي مَعْنَى النِّتَاجِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالنِّتَاجُ سَبَبٌ لِأَوَّلِيَّةِ الْمِلْكِ فِي الدَّابَّةِ عَرَفْنَا أَنَّ الْغَزْلَ سَبَبٌ لِأَوَّلِيَّةِ الْمِلْكِ فِي الْمَغْزُولِ لِلَّذِي غَزَلَهُ وَفِي الشَّعْرِ إذَا كَانَ مِمَّا يُنْقَضُ وَيُغْزَلُ يُقْضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي، وَكَذَلِكَ الْمِرْعِزَّى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ، وَكَذَلِكَ فِي الْحُلِيِّ يُقْضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ يُصَاغُ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى خُطَّةِ الدَّارِ قَضَيْتُ بِهَا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْخُطَّةَ قَدْ تَكُونُ غَيْرَ مَرَّةٍ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ قِسْمَةِ الْإِمَامِ عِنْدَ الْفَتْحِ يَخُطُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ خَطًّا فِي مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ يَمْلِكُهُ ذَلِكَ بِالْقِسْمَةِ فَيَكُونُ خَطُّهُ لَهُ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَرَّةٍ بِأَنْ يَرْتَدَّ أَهْلُهَا وَتَصِيرَ مَحْكُومَةً بِأَنَّهَا دَارُ الشِّرْكِ لِوُجُودِ شَرَائِطِهَا، ثُمَّ يَظْهَرُ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ ثَانِيَةً فَيَقْسِمُهَا الْإِمَامُ بِالْخَطِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا بَيَّنَّا.
قَالَ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي صُوفٍ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ جَزَّهُ مِنْ غَنَمِهِ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهِ لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْجَزَّ لَا يَكُونُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ الْمِرْعِزَّى وَالْجَزُّ وَالشَّعْرُ فَكَانَ هَذَا فِي مَعْنَى النِّتَاجِ فَإِنْ (قِيلَ): كَيْفَ يَكُونُ الْجَزُّ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ وَهُوَ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِأَوَّلِيَّةِ الْمِلْكِ فَإِنَّ الصُّوفَ، وَهُوَ عَلَى ظَهْرِ الشَّاةِ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ فَكَانَ مَالًا ظَاهِرًا قَبْلَ الْجَزِّ.
(قُلْنَا) نَعَمْ، وَلَكِنْ كَانَ وَصْفًا لِلشَّاةِ، وَلَمْ يَكُنْ مَالًا مَقْصُودًا إلَّا بَعْدَ الْجَزِّ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْجَزِّ، وَإِنَّ مَا تَنَازَعَا فِيهِ مَالٌ مَقْصُودٌ قَالَ، وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ وَالنَّخْلُ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ نَخْلُهُ، وَأَرْضُهُ، وَأَنَّهُ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ فِيهَا، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ؟ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ يُقْضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي، وَكَذَلِكَ الْكُرُومُ، وَالشَّجَرُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمُنَازَعَةِ فِي مِلْكِ الْأَرْضِ فَإِنَّ النَّخْلَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ لِلْأَرْضِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْأَرْضِ مَعْنَى النِّتَاجِ؛ وَلِأَنَّ النَّخْلَ يُغْرَسُ غَيْرَ مَرَّةٍ فَقَدْ يَغْرِسُ الثَّالِثَةَ إنْسَانٌ، ثُمَّ يَقْلَعُهَا غَيْرُهُ وَيَغْرِسُهَا فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْحِنْطَةِ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا حِنْطَةٌ زَرَعَهَا فِي أَرْضِهِ قَضَيْتُ بِهَا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَرَّةٍ فَإِنَّ الْحِنْطَةَ قَدْ تُزْرَعُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يُغَرْبِلُ التُّرَابَ فَيُمَيِّزُ الْحِنْطَةَ، ثُمَّ تُزْرَعُ ثَانِيَةً فَلَمْ يَكُنْ هَذَا فِي مَعْنَى النِّتَاجِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أَرْضٌ فِيهَا زَرْعٌ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْأَرْضَ وَالزَّرْعَ لَهُ، وَأَنَّهُ زَرَعَهَا يُقْضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمُنَازَعَةِ فِي مِلْكِ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهَا مَعْنَى النِّتَاجِ.
وَكَذَلِكَ قُطْنٌ أَوْ كَتَّانٌ فِي يَدِ رَجُلٍ أَقَامَ هُوَ مَعَ خَارِجِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ زَرْعُهُ فِي أَرْضِهِ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الزَّرْعَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُزْرَعُ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ قَالَ: وَهَذَا لَا يُشْبِهُ الصُّوفَ وَالْمِرْعِزَّى؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَزْرَعُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ وَيَكُونُ لِلزَّارِعِ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ رَبُّ الْأَرْضِ بِخُرُوجِهِ مِنْ أَرْضِهِ، وَأَمَّا الصُّوفُ وَالْمِرْعِزَّى لَا يَكُونُ إلَّا لِصَاحِبِ الْغَنَمِ فَمِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِ الشَّاةِ الَّتِي فِي يَدِ ذِي الْيَدِ مَمْلُوكَةً لَهُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي جَزَّ مِنْهَا مَمْلُوكًا لَهُ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِ الزَّرْعِ فِي أَرْضٍ هِيَ مَمْلُوكَةٌ لِذِي الْيَدِ أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ مَمْلُوكًا لَهُ؛ وَلِأَنَّ الْجَزَّ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ، وَالزَّرْعُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ لِاحْتِمَالِ التَّكَرُّرِ فَلِهَذَا قَضَيْنَا بِهِ لِلْمُدَّعِي.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْقُطْنُ شَجَرًا ثَابِتًا فِي أَرْضٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَرْضُهُ، وَأَنَّهُ زَرَعَ هَذَا الْقُطْنَ فِيهَا، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ يُقْضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمُنَازَعَةِ فِي الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهَا مَعْنَى النِّتَاجِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُنَازَعَةُ فِي دَارٍ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَارُهُ بَنَاهَا بِمَالِهِ يَقْضِي بِهَا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ يَكُونُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ أَمَةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ادَّعَاهَا آخَرُ أَنَّهَا أَمَتُهُ، وَأَنَّهَا وُلِدَتْ عِنْدَهُ فِي مِلْكِهِ مِنْ أَمَتِهِ فِي يَدَيْهِ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ يُقْضَى بِهَا لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ فِي بَنِي آدَمَ كَالنِّتَاجِ فِي الْبَهَائِمِ، وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أُمِّهَا الَّتِي عِنْدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهَا أَمَتُهُ، وَأَنَّهَا وَلَدَتْ هَذِهِ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ قَضَيْتُ بِهَا، وَبِأُمِّهَا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ أَصْلَ الدَّعْوَى فِي الْأُمِّ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهَا مَعْنَى النِّتَاجِ فَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِهَا لِلْمُدَّعِي، ثُمَّ الْوَلَدُ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأُمِّ، وَكَانَ مِنْ ضَرُورَةِ الْقَضَاءِ بِالْأُمِّ لِلْمُدَّعِي الْقَضَاءُ بِالْوَلَدِ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي صُوفٍ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ جَزَّهُ مِنْ شَاتِه هَذِهِ، وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ شَاةٍ أُخْرَى فِي يَدِهِ قَضَيْتُ بِهَا لِذِي الْيَدِ، وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الشَّاةِ أَنَّهَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهَا شَاتُهُ، وَأَنَّهُ جَزَّ هَذَا الصُّوفَ فِي مِلْكِهِ مِنْهَا، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ قَضَيْتُ بِهَا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى فِي أَصْلِ الشَّاةِ فَإِنَّمَا أَثْبَتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْبَيِّنَةِ الْمِلْكَ الْمُطْلَقَ فِيهَا فَتَتَرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي، ثُمَّ الصُّوفُ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ.
فَإِنْ (قِيلَ): قَدْ يَكُونُ الصُّوفُ وَالْوَلَدُ لِغَيْرِ صَاحِبِ الْأَصْلِ بِأَنْ يُوصِيَ بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِلْإِنْسَانِ وَبِرَقَبَتِهَا لِآخَرَ أَوْ يُوصِيَ بِالشَّاةِ لِإِنْسَانٍ وَبِصُوفِهَا لِآخَرَ (قُلْنَا) لَا كَذَلِكَ فَالْوَلَدُ وَالصُّوفُ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ إلَّا أَنْ يَمْلِكَ غَيْرَهُ بِسَبَبٍ يُنْشِئُهُ مَالِكُ الْأَصْلِ مِنْ وَصِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ عَبْدٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ مِنْ أَمَتِهِ هَذِهِ وَمِنْ عَبْدِهِ هَذَا، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ لِإِثْبَاتِهِ أَوَّلِيَّةَ الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ فِيهِ فَيَكُونُ ابْنُ عَبْدِهِ، وَأَمَتِهِ دُونَ ابْنِ عَبْدِ الْآخَرِ، وَأَمَتِهِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ لَمَّا تَرَجَّحَتْ بِالْقَضَاءِ بِالْمِلْكِ صَارَتْ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى مَدْفُوعَةً لَا يُقْضَى بِهَا بِالنَّسَبِ كَمَا لَا يُقْضَى بِهَا بِالْمِلْكِ، وَإِنْ أَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ اشْتَرَاهُ مِنْ فُلَانٍ، وَأَنَّهُ وُلِدَ فِي مِلْكِ بَائِعِهِ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ اشْتَرَاهُ مِنْ فُلَانٍ آخَرَ، وَأَنَّهُ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ قُضِيَ بِهِ لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَصْمٌ فِي إثْبَاتِ نِتَاجِ بَائِعِهِ كَمَا هُوَ خَصْمٌ فِي إثْبَاتِ مِلْكِ بَائِعِهِ، وَلَوْ حَضَرَ الْبَائِعَانِ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ كَانَ ذُو الْيَدِ أَوْلَى فَهَذَا مِثْلُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى نِتَاجِ بَائِعِهِ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ فِي مِلْكِهِ فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ أَوْلَى لِمَا بَيَّنَّا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى وِرَاثَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ مَقْبُوضَةٍ مِنْ رَجُلٍ، وَأَنَّهُ وُلِدَ فِي مِلْكِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْ جِهَةِ مُوَرِّثِهِ وَمُوصِيهِ فَيَكُونُ خَصْمًا عَنْهُ فِي إثْبَاتِ نِتَاجِهِ.
وَلَوْ كَانَ عَبْدٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ، وَلَمْ يُسَمُّوا أُمَّهُ، وَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وُلِدَ عِنْدَهُ مِنْ أُمِّهِ هَذِهِ فَإِنَّهُ يُقْضَى لِلَّذِي أُمُّهُ فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ تَتَرَجَّحُ بِزِيَادَةِ الْإِثْبَاتِ وَفِي بَيِّنَةِ مَنْ عَيَّنَ أُمَّهُ زِيَادَةٌ، وَهُوَ إثْبَاتُ نِسَبِهِ مِنْ أُمِّهِ فَيَتَرَجَّحُ بِذَلِكَ فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ لِذِي الْيَدِ أَنَّهُ لَهُ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ مِنْ أَمَتِهِ هَذِهِ لِأَمَةٍ أُخْرَى قُضِيَ بِهِ لِذِي- الْيَدِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ فِي الْوِلَادَةِ لَا تُعَارِضُ بَيِّنَةَ ذِي الْيَدِ سَوَاءٌ حَصَلَ مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَأَمَّا أُمُّهُ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهَا لِلَّذِي الْعَبْدُ فِي يَدِهِ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُزَاحِمَ لَهُ فِي الْأُمِّ بِحُجَّةٍ يُقِيمُهَا عَلَى إثْبَاتِ الْمِلْكِ فِيهِ فَلِهَذَا قَضَيْتُ بِهَا لِلَّذِي الْعَبْدُ فِي يَدَيْهِ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ مِنْ أَمَتِهِ هَذِهِ وَمِنْ عَبْدِهِ هَذَا، وَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُجَّةِ عَلَى الْوِلَادَةِ فِي الْمِلْكِ، ثُمَّ قَالَ، وَيَكُونُ الِابْنُ مِنْ الْأَمَتَيْنِ وَالْعَبْدَيْنِ جَمِيعًا فَأَمَّا ثُبُوتُ نَسَبِهِ مِنْ الْعَبْدَيْنِ فَهُوَ عَلَى قَوْلِ عُلَمَائِنَا وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْ رَجُلَيْنِ بِحَالٍ حُرَّيْنِ كَانَا أَوْ عَبْدَيْنِ ادَّعَيَا لَقِيطًا أَوْ وَلَدَ جَارِيَةٍ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنَّهُ يُرْجَعُ إلَى قَوْلِ الْقَائِفِ فَإِنْ قَالَ الْقَائِفُ: إنَّهُ ابْنُهُ يَثْبُت النَّسَب مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعًا لَا يُوجَدُ الْقَائِفُ فِيهِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَيُقْضَى بِالنَّسَبِ لِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ.
وَاحْتَجَّ فِي الْمَنْعِ مِنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْ اثْنَيْنِ أَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِ الْمَوْلُودِ مِنْ الْوَالِدِ بِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِنْ مَائِهِ وَنَحْنُ نَتَيَقَّنُ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْ مَاءِ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلٌ لِلْوَلَدِ كَالْأُمِّ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْضِ لِلْفَرْخِ وَالْحَبِّ لِلْحِنْطَةِ فَكَمَا لَا يُتَصَوَّرُ فَرْخٌ وَاحِدٌ مِنْ سُنْبُلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ حَبَّتَيْنِ فَكَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ، وَلَدٌ وَاحِدٌ مِنْ مَائِينَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ وُصُولَ الْمَائِينَ إلَى الرَّحِمِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَا يُتَصَوَّرُ، وَإِذَا وَصَلَ أَحَدُ الْمَائِينَ فِي الرَّحِمِ يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ فَلَا يَخْلُصُ إلَيْهِ الْمَاءُ الثَّانِي فَإِذَا تَعَذَّرَ الْقَضَاءُ بِالنَّسَبِ مِنْهُمَا جَمِيعًا يُرْجَعُ إلَى قَوْلِ الْقَائِفِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَسَارِيرُ وَجْهِهِ تَبْرُقُ مِنْ السُّرُورِ، وَقَالَ أَمَا تَرَيْنَ يَا عَائِشَةُ أَنَّ مُجَزِّزَ الْمُدْلِجِيَّ مَرَّ بِأُسَامَةَ وَزَيْدٍ وَهُمَا نَائِمَانِ تَحْتَ لِحَافٍ وَاحِدٍ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ هَذِهِ الْأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» فَسُرُورُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِ الْقَائِفِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ حُجَّةٌ فِي النَّسَبِ؛ وَلِأَنَّ الْقَائِفَ يَعْتَبِرُ الشَّبَهَ؛ وَلِلشَّبَهِ فِي الدَّعَاوَى عِبْرَةٌ كَمَا قُلْتُمْ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ إذَا اخْتَصَمَ فِيهِ الزَّوْجَانِ فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ، وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَ الْآجِرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي مِلْكِ لَوْحٍ مَوْضُوعٍ فِي الدَّارِ فَإِنْ كَانَ تَصَاوِيرُهُ تُشْبِهُ تَصَاوِيرَ مَا فِي السَّقْفِ وَمَوْضِعِهِ ظَاهِرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآجِرِ، وَإِنْ كَانَ يُخَالِفُ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجَرِ، وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يُوجَدُ الْقَائِفُ يُصَارُ إلَى الْإِقْرَاعِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْقُرْعَةِ لِتَعْيِينِ الْمُسْتَحَقِّ عِنْد الْإِقْرَارِ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي دَعْوَى النَّسَبِ حِين كَانَ بِالْيَمَنِ.
وَحُجَّتُنَا فِي إبْطَالِ الْمَصِيرِ إلَى قَوْلِ الْقَائِفِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ حُكْمَ اللِّعَانِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ نَفْيِ النَّسَبِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالرُّجُوعِ إلَى قَوْلِ الْقَائِفِ فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً لَأَمَرَ بِالْمَصِيرِ إلَيْهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِفِ رَجْمٌ بِالْغَيْبِ وَدَعْوَى لِمَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعِلْمِهِ، وَهُوَ مَا فِي الْأَرْحَامِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ}، وَلَا بُرْهَانَ لَهُ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى وَعِنْدَ انْعِدَامِ الْبُرْهَانِ كَانَ فِي قَوْلِهِ قَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ وَنِسْبَةُ الْأَوْلَادِ إلَى غَيْرِ الْآبَاءِ وَمُجَرَّدُ الشَّبَهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَقَدْ يُشْبِهُ الْوَلَدُ أَبَاهُ الْأَدْنَى، وَقَدْ يُشْبِهُ الْأَبَ الْأَعْلَى الَّذِي بِاعْتِبَارِهِ يَصِيرُ مَنْسُوبًا إلَى الْأَجَانِبِ فِي الْحَالِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا أَسْوَدُ شَدِيدُ السَّوَادِ، وَقَدْ، وَلَدَتْ امْرَأَتِي، وَلَدًا أَبْيَضَ فَلَيْسَ مِنَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «هَلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَوْنُهَا قَالَ حُمْرٌ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّ ذَاكَ فَقَالَ لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ أَوْ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقًا نَزَعَ» فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِلشَّبَهِ، وَفِي مَتَاعِ الْبَيْتِ عِنْدَنَا التَّرْجِيحُ بِالِاسْتِعْمَالِ لَا بِالشَّبَهِ وَفِي اللَّوْحِ التَّرْجِيحُ بِالظَّاهِرِ لَا بِالشَّبَهِ.
(أَلَا تَرَى) أَنْ إسْكَافًا وَعَطَّارًا لَوْ تَنَازَعَا فِي أَدَاةِ الْأَسَاكِفَةِ لَا يَتَرَجَّحُ الْإِسْكَافُ بِالشَّبَهِ، وَثُبُوتُ نَسَبِ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ بِالْفِرَاشِ لَا بِقَوْلِ الْقَائِفِ إلَّا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ لَوْنِهِمَا، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ عِنْدَ الْقَافَةِ عِلْمٌ بِذَلِكَ، وَأَنَّ بَنِي الْمُدْلِجِ هُمْ الْمُخْتَصُّونَ بِعَمَلِ الْقِيَافَةِ، وَجَزِّ رِيشِهِمْ فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ كَانَ قَوْلُهُ رَدًّا لِطَعْنِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّمَا سُرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهَذَا، لَا لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِفِ حُجَّةٌ فِي النَّسَبِ شَرْعًا.
فَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى إثْبَاتِ النَّسَبِ مِنْهُمَا حَدِيثُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حِينَ قَالَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ إنْ لَبَّسَا فَلُبِّسَ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ بَيَّنَّا لَبُيِّنَ لَهُمَا هُوَ ابْنُهُمَا يَرِثُهُمَا، وَيَرِثَانِهِ، وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا.
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْمُدَّعِي قَابِلٌ لِلِاشْتِرَاكِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ مِنْ الرَّجُلِ بِاعْتِبَارِ الْفِرَاشِ لَا بِحَقِيقَةِ انْخِلَاقِهِ مِنْ مَائِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَلَا بِاعْتِبَارِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ سِرٌّ عَنْ غَيْرِ الْوَاطِئِينَ فَأَقَامَ الشَّرْعُ الْفِرَاشَ مَقَامَهُ تَيْسِيرًا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ يَعْتَمِدُ عَلَى مَا عَلِمَ بِهِ مِنْ الْفِرَاشِ، وَالْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ مِنْ النَّسَبِ الْمِيرَاثُ، وَالنَّفَقَةُ وَالْحَضَانَةُ وَالتَّرْبِيَةُ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الِاشْتِرَاكَ فَيُقْضَى بِهِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ خَلْقُ الْوَلَدِ مِنْ الْمَائِينَ فَإِنَّ السَّبَبَ الظَّاهِرَ مَتَى أُقِيمَ مَقَامَ الْمَعْنَى الْخَفِيِّ تَيْسِيرًا سَقَطَ اعْتِبَارُ مَعْنَى الْبَاطِنِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَطَأَهَا أَحَدُهُمَا فَلَا يَخْلُصُ الْمَاءُ إلَى أَحَدِهِمَا حَتَّى يَطَأَهَا الثَّانِي فَيَخْلُصُ الْمَاءَانِ إلَى الرَّحِمِ مَعًا، وَيَخْتَلِطُ الْمَاءَانِ فَيَتَخَلَّقُ مِنْهُمَا الْوَلَدُ بِخِلَافِ الْبَيْضَتَيْنِ وَالْحَبَّتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصَوُّرَ لِلِاخْتِلَاطِ فِيهِمَا.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي لِلنَّسَبِ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَثْبُتُ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَثُرُوا أَخْذًا بِالْقِيَاسِ كَمَا قَرَّرْنَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمُثَنَّى؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ مِنْ اثْنَيْنِ بِحَدِيثِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَفِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يُوجَدُ بِأَصْلِ الْقِيَاسِ الَّذِي قَرَّرَهُ الْخَصْمُ لِاسْتِحَالَةِ إثْبَاتِ نَسَبٍ مِنْ عَشَرَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: يَثْبُتُ مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّهَا أَدْنَى الْجَمْعِ، وَلَا نِهَايَةَ لِلزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَالْقَوْلُ بِهِ يُؤَدِّي إلَى التَّفَاحُشِ فَاعْتَبَرْتُ أَدْنَى الْجَمْعِ، وَقُلْتُ يَثْبُتُ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَلَا يَثْبُتُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَأَمَّا فِي الْأَمَتَيْنِ يَثْبُتُ النَّسَبُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ مِنْ الْحُرَّتَيْنِ إذَا ادَّعَتَا لَقِيطًا، وَأَقَامَتَا الْبَيِّنَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ بِحَالٍ، وَحُجَّتُهُمَا فِي ذَلِكَ أَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ مِنْ الْمَرْأَةِ بِسَبَبِ انْفِصَالِ الْوَلَدِ عَنْهَا؛ وَلِهَذَا يَثْبُتُ مِنْ الزَّانِيَةِ، وَهَذَا سَبَبٌ مُعَايَنٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ حَقِيقَتُهُ، وَلَا تَصَوُّرَ لِانْفِصَالِ، وَلَدٍ وَاحِدٍ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ فَيُتَيَقَّنُ بِكَذِبِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، وَلَا يُعْرَفُ الصَّادِقُ مِنْ الْكَاذِبِ فَتَبْطُلُ الْبَيِّنَتَانِ بِخِلَافِ الرَّجُلَيْنِ فَسَبَبُ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْ الرَّجُلِ الْفِرَاشُ عَلَى مَا قَرَّرْنَا.
وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ نَعَمْ حَقِيقَةُ هَذَا النَّسَبِ مِنْ امْرَأَتَيْنِ مُحَالٌ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النَّسَبِ حُكْمُهُ لَا عَيْنُهُ، وَهُوَ الْحَضَانَةُ وَالتَّرْبِيَةُ مِنْ جَانِبِ الْأُمِّ، وَهَذَا الْحُكْمُ قَابِلٌ لِلِاشْتِرَاكِ فَتُقْبَلُ الْبَيِّنَتَانِ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ وَيَكُونُ ذِكْرُ السَّبَبِ كِنَايَةً عَنْ الْحُكْمِ مَجَازًا، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَهُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ: هَذَا ابْنِي يُعْتِقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ صَرِيحُ كَلَامِهِ مُحَالًا، وَلَكِنْ يُجْعَلُ كِنَايَةً عَنْ حُكْمِهِ مَجَازًا.
وَمَا قَالَا يَبْطُلُ بِدَعْوَى النِّتَاجِ فَإِنَّ وِلَادَة شَاةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ شَاتَيْنِ حَقِيقَةً مُحَالٌ، وَمَعَ ذَلِكَ إذَا أَثْبَتَ الْخَارِجَانِ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ يُقْضَى بِالْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ الْمِلْكُ؛ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلِاشْتِرَاكِ فَهَذَا مِثْلُهُ.
قَالَ: وَإِذَا كَانَ قَبَاءٌ مَحْشُوًّا فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ قَطَعَهُ وَحَشَاهُ، وَخَاطَهُ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْحَشْوَ وَالْخِيَاطَةَ قَدْ تَكُونُ غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ، وَكَذَلِكَ الْحَبَّةُ الْمَحْشُوَّةُ وَالْفَرْوُ، وَكُلُّ مَا يُقْطَعُ مِنْ الثِّيَابِ وَالْبُسُطِ، وَالْأَنْمَاطِ وَالْوَسَائِدِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَتَكَرَّرُ، وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ بِالْعُصْفُرِ أَوْ الزَّعْفَرَانِ أَوْ الْوَرْسِ إذَا أَقَامَ الْخَارِجُ، وَذُو الْيَدِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ لَهُ صَبْغَهُ فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ يُصْبَغُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَقَدْ يُصْبَغُ عَلَى لَوْنٍ، ثُمَّ يُصْبَغُ عَلَى لَوْنٍ آخَرَ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ، وَكَذَلِكَ أَوَانِي الصُّفْرِ، وَالْحَدِيدِ يُقْضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُصْبَغُ إلَّا مَرَّةً فَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ، وَكَذَلِكَ الْأَبْوَابُ، وَالسُّرَرُ وَالْكَرَاسِيُّ إذَا أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ يَجُرُّهُ فِي مِلْكِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً يُقْضَى بِهِ لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ فَإِنْ كَانَ يَكُونُ غَيْرَ مَرَّةٍ أَوْ لَا يُعْلَمُ يُقْضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ وَعَلَى هَذَا الْخِفَافُ وَالنِّعَالُ، وَالْقَلَانِسُ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ دُهْنٍ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ عَصَرَهُ وَسَلَاهُ فِي مِلْكِهِ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَهُوَ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ، وَكَذَلِكَ السَّوِيقُ وَالْعَصِيرُ وَالْخَلُّ وَالْجُبْنُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا الشَّاةُ الْمَسْلُوقَةُ إذَا أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا شَاتُهُ ضَحَّى بِهَا، وَسَلَخَهَا فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ وَالسَّلْخَ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْمِلْكِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَمْلِكُ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا فِي مَعْنَى النِّتَاجِ فِي إثْبَاتِ أَوَّلِيَّةِ الْمِلْكِ بِهِ فَلِهَذَا قَضَيْنَا بِهِ لِلْمُدَّعِي قَالَ: وَإِنْ أَقَامَ خَارِجَانِ الْبَيِّنَةَ دَعْوَى الدَّابَّةِ أَحَدُهُمَا عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَالْآخَرُ عَلَى النِّتَاجِ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهَا لِصَاحِبِ النِّتَاجِ لِإِثْبَاتِهِ أَوَّلِيَّةَ الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهَا لَا تُتَمَلَّكُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَالْآخَرُ لَا يَدَّعِي تَمَلُّكَهَا مِنْ جِهَتِهِ وَفِي الْكِتَابِ قَالَ عَنْ شُرَيْحٍ رَحِمَهُ اللَّهُ النَّاتِجُ أَحَقُّ مِنْ الْعَارِفِ يَعْنِي بِالْعَارِفِ الْخَارِجِ الَّذِي يَدَّعِي مِلْكًا مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي لَحْمٍ مَشْوِيٍّ أَوْ سَمَكَةٍ مَشْوِيَّةٍ، وَأَقَامَ الْخَارِجُ، وَذُو الْيَدِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ شَوَاهُ فِي مِلْكِهِ يُقْضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الشَّيَّ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَرَّةٍ فَإِنَّ اللَّحْمَ يُشْوَى، ثُمَّ يُعَادُ ثَانِيًا فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ.
وَكَذَلِكَ الْمُصْحَفُ إذَا أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مُصْحَفُهُ كَتَبَهُ فِي مِلْكِهِ يُقْضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِلْمِلْكِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَتَكَرَّرُ يُكْتَبُ، ثُمَّ يُمْحَى، ثُمَّ يُكْتَبُ فَلِهَذَا قَضَيْنَا بِهِ لِلْمُدَّعِي قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي أَمَةٍ فَأَقَامَ أَحَدُ الْخَارِجِينَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَمَتُهُ، وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَمَتُهُ سُرِقَتْ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهَا لِصَاحِبِ الْوِلَادَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ شُهُودُ السَّرِقَةِ أَنَّهَا أَمَتُهُ أَبَقَتْ مِنْهُ أَوْ غَصَبَهَا إيَّاهُ ذُو الْيَدِ فَهِيَ لِصَاحِبِ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّ فِي بَيِّنَتِهِ إثْبَاتَ أَوَّلِيَّةِ الْمِلْكِ، وَلَيْسَ فِي الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى ذَلِكَ فَكَانَ اسْتِحْقَاقُهُ سَابِقًا، وَكَذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ إذَا شَهِدَ شُهُودُ أَحَدِهِمَا بِالنِّتَاجِ، وَشُهُودُ الْآخَرِ أَنَّهَا دَابَّتُهُ آجَرَهَا مِنْ ذِي الْيَدِ أَوْ أَعَارَهَا أَوْ رَهَنَهَا إيَّاهُ فَهِيَ لِصَاحِبِ النِّتَاجِ؛ لِأَنَّ فِي شَهَادَةِ شُهُودِهِ دَلِيلُ سَبْقِ مِلْكِهِ.
قَالَ: وَإِذَا كَانَ الثَّوْبُ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ نَسَجَهُ، وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ لَهُ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدُوا لَهُ بِالْمِلْكِ نَصًّا فَقَدْ يَنْسِجُ الْإِنْسَانُ ثَوْبَ الْغَيْرِ بِإِذْنِهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ كَالنَّسَّاجِ يَنْسِجُ ثِيَابَ النَّاسِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فِي دَابَّةٍ أَنَّهَا نُتِجَتْ عِنْدَهُ أَوْ فِي أَمَةٍ أَنَّهَا وُلِدَتْ عِنْدَهُ فَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ شَهَادَةً بِالْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا ابْنَةُ أَمَتِهِ فَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ شَهَادَةٌ بِالْمِلْكِ لَهُ إنَّمَا فِيهِ شَهَادَةٌ بِالنَّسَبِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي أَمَةً، وَلَهَا ابْنَةٌ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَهِيَ ابْنَةُ أَمَتِهِ، وَلَا تَكُونُ مَمْلُوكَةً لَهُ أَوْ بِشَيْءٍ بَعْدَ الِانْفِصَالِ عَنْهَا فَهِيَ ابْنَةُ أَمَتِهِ، وَلَا تَكُونُ مَمْلُوكَةً لَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا عَلَى ثَوْبٍ أَنَّهُ غُزِلَ مِنْ قُطْنِ فُلَانٍ وَنُسِجَ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْقُطْنِ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِمِلْكِ الْغَزْلِ وَالثَّوْبِ، وَإِنَّ الْغَاصِبَ إذَا غَزَلَ الْقُطْنَ وَنَسَجَهُ كَانَ الثَّوْبُ مَمْلُوكًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلْقُطْنِ، وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ كَانَ مَالِكًا لِلْقُطْنِ، وَلَا يَمْلِكُ الثَّوْبَ بِهِ فَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ شَهَادَةٌ بِالْمِلْكِ لَهُ نَصًّا فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَمَرْتُهُ أَنْ يَغْزِلَ، وَيَنْسِجَ قُضِيَ لَهُ بِالثَّوْبِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْغَيْرِ بِأَمْرِهِ كَعَمَلِهِ بِنَفْسِهِ، وَاَلَّذِي غَزَلَهُ وَنَسَجَهُ بِإِنْكَارِهِ الْأَمْرَ يَدَّعِي بِمِلْكِهِ عَلَيْهِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِحُجَّةٍ.
وَلَوْ شَهِدُوا أَنْ هَذِهِ الْحِنْطَةَ مِنْ زَرْعٍ حُصِدَ مِنْ أَرْضِ فُلَانٍ فَأَرَادَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَخْذَ الْحِنْطَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْحِنْطَةَ؛ لِأَنَّهُمْ أَضَافُوا الْأَرْضَ إلَيْهِ مِلْكًا وَيَدًا فَمَا فِي أَرْضِهِ مِنْ الزَّرْعِ يَكُونُ فِي يَدِهِ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ شَهَادَتِهِمْ أَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ فَيُؤْمَرُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُمْ مَا شَهِدُوا بِالْمِلْكِ لَهُ فِي الزَّرْعِ إنَّمَا أَضَافُوا الْأَرْضَ إلَيْهِ بِالْمِلْكِيَّةِ، وَقَدْ تَكُونُ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً لَهُ، وَالزَّرْعُ الَّذِي فِيهَا لِغَيْرِهِ كَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا، وَكَذَلِكَ مَا شَهِدُوا بِالْيَدِ فِي الزَّرْعِ، وَلَا فِي الْأَرْضِ نَصًّا فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِ الْأَرْضِ مَمْلُوكَةً لَهُ أَنْ تَكُونَ فِي يَدِهِ فَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّ هَذِهِ الْحِنْطَةَ مِنْ زَرْعٍ كَانَ فِي أَرْضِهِ أَوْ أَنَّ هَذَا التَّمْرَ مِنْ نَخْلٍ كَانَ فِي أَرْضِهِ، وَأَنَّ هَذَا الزَّبِيبَ مِنْ كَرْمٍ كَانَ فِي أَرْضِهِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا أَضَافُوا مَا وَقَعَ فِيهِ الدَّعْوَى إلَيْهِ مِلْكًا، وَلَا يَدًا، وَقَدْ يَكُونُ النَّخْلُ وَالْكَرْمُ فِي الْأَرْضِ لِغَيْرِ صَاحِبِ الْأَرْضِ مِلْكًا وَيَدًا، وَلَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ أُخِذَ بِهِ لِإِقْرَارِهِ بِالْأَخْذِ مِنْ مِلْكِهِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْأَخْذِ مِنْ مِلْكِهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِالْأَخْذِ مِنْ يَدِهِ فَيُؤْمَرُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ الْقَضَاءُ فَنَوْعُ احْتِمَالِهِ فِيهِ لَا يَمْنَعُنَا مِنْ الْعَمَلِ بِظَاهِرِهِ فَأَمَّا الشَّهَادَةُ لَا تُوجِبُ الْحَقَّ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَإِنَّمَا يَقْضِي الْقَاضِي بِالْمَشْهُودِ بِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الشَّهَادَةِ تَنْصِيصٌ عَلَى مِلْكٍ أَوْ يَدٍ لِلْمُدَّعِي فَالْمُدَّعِي لَا يُقْضَى بِهِ لَهُ.
تَوْضِيحُ الْفَرْقِ: أَنَّ فِي إقْرَارِهِ بَيَانَ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ كَانَ فِي يَدِ هَذَا أَمْسِ فَيُؤْمَرُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ وَفِي الشَّهَادَةِ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ أَمْسِ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا.
قَالَ: وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّ هَذَا التَّمْرَ أَخَذَهُ هَذَا مِنْ نَخْلِ فُلَانٍ قُضِيَ لَهُ بِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ يَدِ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ الْمُتَّصِلَ بِنَخْلِهِ مِنْ التَّمْرِ يَكُونُ فِي يَدِهِ.
وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ نَخْلِ فُلَانٍ، وَهُوَ يَمْلِكُهُ أَوْ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ، وَلَدَتْهُ أَمَةُ فُلَانٍ وَهُوَ يَمْلِكُهَا قُضِيَ لَهُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِالْوَلَدِ مِنْ مِلْكِهِ، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ مِلْكِ الْإِنْسَانِ يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ إلَى أَنْ يَتَمَلَّكَهُ الْغَيْرُ بِسَبَبٍ عَارِضٍ مِنْ وَصِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَكَانَ هَذَا، وَشَهَادَتُهُمْ بِالْمِلْكِ لَهُ فِي الْمُدَّعَى سَوَاءً.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّ هَذِهِ الْحِنْطَةَ مِنْ زَرْعِ هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ أَضَافُوا إلَيْهِ بِالْمَلَكِيَّةِ وَشَهِدُوا أَنْ هَذِهِ الْحِنْطَةَ جُزْءٌ مِنْهُ فَإِنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ فَكَانَ هَذَا تَنْصِيصًا عَلَى الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ لَهُ فِي الْحِنْطَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّ هَذَا الزَّبِيبَ مِنْ كَرْمِ هَذَا، وَهَذَا التَّمْرَ مِنْ نَخْلِ هَذَا قُضِيَ لَهُ بِهِ لِشَهَادَتِهِمْ بِالتَّوَلُّدِ مِنْ مِلْكِهِ.
وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّ فُلَانًا غَزَلَ هَذَا الثَّوْبَ مِنْ قُطْنِ فُلَانٍ وَهُوَ يَمْلِكُ الْقُطْنَ وَنَسَجَ الثَّوْبَ فَإِنِّي أَقْضِي عَلَى الَّذِي غَزَلَ مِثْلَ ذَلِكَ الْقُطْنِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مِلْكَ الْقُطْنِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمِلْكِ الثَّوْبِ، وَلَكِنْ مَنْ غَزَلَ قُطْنَ الْغَيْرِ، وَنَسَجَهُ فَالثَّوْبُ لَهُ وَهُوَ ضَامِنٌ لِمِثْلِ ذَلِكَ الْقُطْنِ، وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الْقُطْنِ أَمَرْتُهُ بِذَلِكَ أَخَذَ الثَّوْبَ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لِلْقُطْنِ وَاَلَّذِي غَزَلَ وَنَسَجَ يَدَّعِي تَمَلُّكَهُ عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ كَمَا لَوْ ادَّعَى التَّمَلُّكَ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ فَأَنْكَرَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّ فُلَانًا طَحَنَ هَذَا الدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَةِ فُلَانٍ وَهُوَ يَمْلِكُهَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِحِنْطَةٍ مِثْلِهَا، وَإِنْ قَالَ رَبُّ الْحِنْطَةِ: أَنَا أَمَرْتُهُ أَخَذَ الدَّقِيقَ لِمَا بَيَّنَّا قَالَ: وَإِذَا كَانَ الدَّجَاجُ أَوْ الشَّيْءُ مِنْ الطُّيُورِ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ فَرَّخَ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ قُضِيَ بِهِ لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى النِّتَاجِ لَا يَتَكَرَّرُ، وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْبَيْضَةَ الَّتِي خَرَجَتْ هَذِهِ الدَّجَاجَةُ مِنْهَا كَانَتْ لَهُ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِالدَّجَاجَةِ، وَلَكِنْ يُقْضَى عَلَى صَاحِبِ الدَّجَاجَةِ بِبَيْضَةٍ مِثْلِهَا لِصَاحِبِهَا؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْبَيْضَةِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمِلْكِ الدَّجَاجَةِ فَإِنَّ مَنْ غَصَبَ بَيْضَةً وَحَضَنَهَا ذَلِكَ تَحْتَ دَجَاجَةٍ كَانَ الْفَرْخُ لِلْغَاصِبِ وَعَلَيْهِ بَيْضَةٌ مِثْلُ الْمَغْصُوبَةِ، وَهَذَا لَا يُشْبِهُ الْوِلَادَةَ، وَالنِّتَاجَ؛ لِأَنَّ مَنْ غَصَبَ أَمَةً أَوْ دَابَّةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ لَا يَمْلِكُ الْوَلَدَ بَلْ هُوَ لِصَاحِبِ الْأَصْلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ بِالْحَضَانَةِ تَصِيرُ مُسْتَهْلَكَةً فَيُحَالُ بِحُدُوثِ الْفَرْخِ عَلَى عَمَلِ الْحَضَانَةِ بِخِلَافِ الدَّابَّةِ، وَالْأَمَةِ فَإِنَّهَا لَا تَصِيرُ مُسْتَهْلَكَةً بِالْوِلَادَةِ فَيَكُونُ مَمْلُوكًا لِصَاحِبِ الْأَصْلِ لِتَوَلُّدِهِ مِنْ مِلْكِهِ.
قَالَ: وَلَوْ غَصَبَ دَجَاجَةً فَبَاضَتْ عِنْدَهُ فَالْبَيْضَةُ لِصَاحِبِهَا لِتَوَلُّدِهَا مِنْ مِلْكِهِ فَإِنْ بَاضَتْ بَيْضَتَيْنِ فَحَضَنَتْ الدَّجَاجَةُ نَفْسَهَا عَلَى أَحَدِهِمَا فَخَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ وَحَضَنَهَا الْغَاصِبُ عَلَى الْأُخْرَى فَخَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ فَالْفَرْخُ الْأَوَّلُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ مَعَ الدَّجَاجَةِ وَالْفَرْخُ الْآخَرُ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ مَا حَصَلَ بِفِعْلِهِ يَصِيرُ مَمْلُوكًا لَهُ وَمَا حَصَلَ بِفِعْلِ الدَّجَاجَةِ نَفْسِهَا لَا صُنْعَ لِلْغَاصِبِ فِيهِ فَلَا يَمْلِكُهُ بَلْ يَكُونُ لِمَالِكِ الْأَصْلِ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ غَصَبَ حِنْطَةً وَزَرَعَهَا كَانَ الزَّرْعُ لَهُ، وَلَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ بِالْحِنْطَةِ فَجَعَلَتْهَا مَزْرُوعَةً فِي الْأَرْضِ كَانَ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّ بِنَاءَ الْحُكْمِ عَلَى فِعْلِ الرِّيحِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَيُجْعَلُ مَمْلُوكًا لِصَاحِبِ الْأَصْلِ؛ وَلِأَنَّ مَا حَضَنَهَا الْغَاصِبُ صَارَ مُسْتَهْلَكًا بِفِعْلِهِ فَيَكُونُ ضَامِنًا لِمِثْلِهِ وَيَصِيرُ مَمْلُوكًا لَهُ بِالضَّمَانِ فَإِنَّمَا يَتَوَلَّدُ الْفَرْخُ مِنْ مِلْكِهِ فَأَمَّا مَا حَضَنَتْ الدَّجَاجَةُ بِنَفْسِهَا لَمْ تَصِرْ مَضْمُونَةً عَلَى الْغَاصِبِ فَلَا يَمْلِكُهَا فَبَقِيَ ذَلِكَ الْفَرْخُ لِصَاحِبِ الْأَصْلِ قَالَ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ بِعُصْفُرٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ هَذَا الْعُصْفُرَ الَّذِي فِي هَذَا الثَّوْبِ لِفُلَانٍ صَبَغَ بِهِ هَذَا الثَّوْبَ فَلَا يَدْرِي مَنْ صَبَغَهُ وَجَحَدَ ذَلِكَ صَاحِبُ الثَّوْبِ فَادَّعَى صَاحِبُ الْعُصْفُرِ أَنَّ رَبَّ الثَّوْبِ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي ضَمَانَ قِيمَةِ الْعُصْفُرِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ، وَلَيْسَ فِي شَهَادَةِ شُهُودِهِ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ فَإِنَّ ثَوْبَ الْغَيْرِ إذَا هَبَّتْ بِهِ الرِّيحُ، وَأَلْقَتْهُ فِي صَبْغِ إنْسَانٍ فَانْصَبَغَ كَانَ الصَّبْغُ لِصَاحِبِهِ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ صَاحِبَ الثَّوْبِ شَيْئًا، وَلَكِنْ يُقَوَّمُ الثَّوْبُ أَبْيَضَ وَيُقَوَّمُ مَصْبُوغًا فَإِنَّ صَاحِبَ الثَّوْبِ يَضْمَنُ لَهُ مَا زَادَ الْعُصْفُرُ فِي ثَوْبِهِ، وَإِلَّا بِيعَ الثَّوْبُ فَيَصْرِفُ فِيهِ صَاحِبُ الثَّوْبِ بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ أَبْيَضَ وَصَاحِبُ الْعُصْفُرِ مَا زَادَ الْعُصْفُرُ فِي ثَوْبِهِ؛ لِأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فِي الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ أَحَدُهُمَا بِالثَّوْبِ وَالْآخَرُ بِالْعُصْفُرِ، وَلَكِنَّ الثَّوْبَ أَصْلٌ، وَالْعُصْفُرَ فِيهِ وَصْفٌ فَكَانَ الْخِيَارُ لِصَاحِبِ الْأَصْلِ دُونَ صَاحِبِ الْوَصْفِ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي لَبِنٍ فَأَقَامَ الْخَارِجُ وَذُو الْيَدِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ ضَرَبَهُ فِي مِلْكِهِ يُقْضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ اللَّبِنَ يُضْرَبُ غَيْرَ مَرَّةٍ بِأَنْ يُضْرَبَ، ثُمَّ يُكْسَرَ، ثُمَّ يَضْرِبَ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ فَلِهَذَا قُضِيَ بِهِ لِلْمُدَّعِي.
قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي جُبْنٍ فَأَقَامَ الْخَارِجُ وَذُو الْيَدِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ جُبْنُهُ صَنَعَهُ فِي مِلْكِهِ فَهُوَ لِلَّذِي فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجُبْنَ لَا يُصْنَعُ إلَّا مَرَّةً وَهُوَ سَبَبٌ لِأَوَّلِيَّةِ الْمِلْكِ بِمَنْزِلَةِ النِّتَاجِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا مَا بَيَّنَّا.
وَالثَّانِي إذَا أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي صُنِعَ مِنْهُ هَذَا الْجُبْنُ مِلْكُهُ فَيُقْضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمُنَازَعَةِ فِي اللَّبَنِ وَبَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ قَامَتْ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُقِيمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنْ حَلْبَ اللَّبَنِ الَّذِي صَنَعَ مِنْهُ هَذَا الْجُبْنَ مِنْ شَاتِهِ فِي مِلْكِهِ فَيُقْضَى لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْحَلْبَ فِي اللَّبَنِ لَا يَتَكَرَّرُ فَكَانَ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ.
وَالرَّابِعُ: إذَا أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ الشَّاةَ الَّتِي حَلَبَ مِنْهَا اللَّبَنَ الَّذِي صَنَعَ مِنْهُ هَذَا الْجُبْنَ مِلْكُهُ فَيُقْضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْمُنَازَعَةَ فِي مِلْكِ الشَّاةِ، وَبَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهَا قَامَتْ عَلَى الْمُطْلَقِ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يُقِيمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الشَّاةَ الَّتِي حَلَبَ مِنْهَا اللَّبَنَ الَّذِي صَنَعَ مِنْهُ هَذَا الْجُبْنَ شَاتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ مِنْ شَاتِهِ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّتَيْنِ قَامَتَا عَلَى النِّتَاجِ فِي الشَّاةِ الَّتِي كَانَتْ الْمُنَازَعَةُ فِيهَا قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي آجُرٍّ أَوْ جِصٍّ أَوْ نَوْرَةٍ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ صَنَعَهُ فِي مِلْكِهِ قَضَيْتُ بِهِ لِذِي الْيَدِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى بِالْآجُرِّ لِلْخَارِجِ، وَيُجْعَلَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ فِي اللَّحْمِ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: طَبْخُ الْآجُرِّ لَا يَتَكَرَّرُ فَإِنَّهُ بِالطَّبْخِ الْأَوَّلِ يَحْدُثُ لَهُ اسْمُ الْآجُرِّ فَإِنْ أُعِيدَ طَبْخُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَحْدُثُ بِهِ اسْمٌ آخَرُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَكَرَّرُ، وَكَذَلِكَ طَبْخُ الْجِصِّ وَالنُّورَةِ فَكَانَ هَذَا فِي مَعْنَى النِّتَاجِ قَالَ فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي جِلْدِ شَاةٍ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ جِلْدُهُ سَلَخَهُ فِي مِلْكِهِ قُضِيَ بِهِ لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ سَلْخَ الْجِلْدِ لَا يَتَكَرَّرُ فَكَانَ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ، وَلَوْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ لَهُمَا، وَلَكِنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ جِلْدُ شَاتِه، وَلَمْ يَشْهَدُوا لَهُ بِهِ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِالْمِلْكِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا عَلَى صُوفٍ أَنَّهُ صُوفُ شَاتِه أَوْ عَلَى لَحْمٍ أَنَّهُ لَحْمُ شَاتِه قَالَ عِيسَى رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا غَلَطٌ، وَأَرَى جَوَابَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ لَا يَسْتَمِرُّ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ قَالَ قَبْلَ هَذَا إذَا قَالُوا هَذِهِ الْحِنْطَةُ مِنْ زَرْعِ هَذَا أَوْ هَذَا الزَّبِيبُ مِنْ كَرْمِهِ أَوْ هَذَا التَّمْرُ مِنْ نَخْلِهِ قُضِيَ لَهُ بِهِ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ تِلْكَ الْمَسَائِلِ، وَبَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بَلْ الْجِلْدُ وَالصُّوفُ وَاللَّحْمُ فِي كَوْنِهِ مَمْلُوكًا بِمِلْكِ الْأَصْلِ أَبْلَغُ مِنْ مِلْكِ الزَّرْعِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ بِمِلْكِ الْأَصْلِ، فَإِنْ (قِيلَ): إنَّ هُنَا قَدْ يَنْفَصِلُ مِلْكُ الصُّوفِ عَنْ مِلْكِ الْأَصْلِ بِالْوَصِيَّةِ فَكَذَلِكَ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ، وَلَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُمْ مَا جَعَلُوا الْمُدَّعَى هُنَا فِي شَهَادَتِهِمْ مِنْ مِلْكِهِ إنَّمَا نَسَبُوهُ إلَى شَاةٍ، ثُمَّ نَسَبُوا إلَيْهِ الشَّاةَ بِالْمِلْكِيَّةِ فَلَمْ يَكُنْ شَهَادَةً بِالْمِلْكِ فِي الْمُدَّعَى نَصًّا فَأَمَّا هُنَاكَ شَهِدُوا أَنَّ الْمُدَّعَاةَ مِنْ مِلْكِهِ وَذَلِكَ شَهَادَةٌ بِالْمِلْكِ لَهُ فِي الْمُدَّعَى نَصًّا.
قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ شَاةٌ مَسْلُوخَةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ وَجِلْدُهَا وَرَأْسُهَا وَسَقَطُهَا فِي يَدِ آخَرَ فَأَقَامَ ذُو الْيَدِ فِي الشَّاةِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الشَّاةَ وَالْجِلْدَ وَالرَّأْسَ وَالسَّقْطَ لَهُ، وَأَقَامَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ السَّقْطُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثْبَتَ فِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ مِلْكًا مُطْلَقًا بِالْبَيِّنَةِ، وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ تَتَرَجَّحُ.
وَلَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ الشَّاةَ شَاتُهُ تُنْجِبُ عِنْدَهُ فِي مِلْكِهِ فَذَبَحَهَا وَسَلَخَهَا، وَأَنَّ لَهُ جِلْدَهَا، وَرَأْسَهَا وَسَقْطَهَا يُقْضَى بِالْكُلِّ لِلَّذِي الشَّاةُ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ النِّتَاجَ فِي الشَّاةِ فَاسْتَحَقَّ الْقَضَاءَ بِأَوَّلِيَّةِ الْمِلْكِ لَهُ فِيهَا، وَجِلْدُهَا وَرَأْسُهَا وَسَقْطُهَا بِبَيْعِهَا فَلِهَذَا قَضَيْنَا بِالْمِلْكِ لِذِي الْيَدِ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ شَاةٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَشَاةٌ أُخْرَى فِي يَدِ آخَرَ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى شَاةِ صَاحِبِهِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ أَنَّهَا شَاتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ الْقَائِمَةِ فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ يُقْضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَاةِ صَاحِبِهِ الَّتِي فِي يَدَيْهِ وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ سِنُّ الشَّاتَيْنِ مُشْكِلًا فَأَمَّا إذَا كَانَ مَعْلُومًا، وَأَحَدُهُمَا تَصْلُحُ أُمًّا لِلْأُخْرَى وَالْأُخْرَى لَا تَصْلُحُ أُمًّا لَهَا، وَكَانَتْ عَلَامَةُ الصِّدْقِ ظَاهِرَةً فِي شُهُودِ أَحَدِهِمَا وَعَلَامَةُ الْكَذِبِ ظَاهِرَةً فِي شَهَادَةِ شُهُودِ الْآخَرِ يَقْضِي بِهَا بِمَا ظَهَرَ فِيهِ عَلَامَةُ الصِّدْقِ فَأَمَّا عِنْدَ الْإِشْكَالِ لَا تَظْهَرُ عَلَامَةُ الصِّدْقِ، وَلَا الْكَذِبِ فِي شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا فِي يَدِهِ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَصَاحِبُهُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ، وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ عَلَى النِّتَاجِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَلِهَذَا قَضَيْنَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَبْطُلُ الْبَيِّنَتَانِ جَمِيعًا لِتَيَقُّنِنَا بِكَذِبِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ وَالِدَةً لِصَاحِبَتِهَا وَمَوْلُودَةً مِنْهُمَا، وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الشَّاةَ الَّتِي فِي يَدِهِ شَاتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ، وَأَنَّ شَاةَ صَاحِبِهِ، وَلَدَتْهَا شَاتُهُ هَذِهِ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ يَقْضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا فِي يَدِهِ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ، وَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ عَلَى النِّتَاجِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَلَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ الشَّاةَ الَّتِي فِي يَدِهِ شَاتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ، وَأَنَّ شَاةَ صَاحِبِهِ لَهُ، وَلَدَتْهَا شَاتُهُ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَهَذَا، وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ يُقْضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا فِي يَدِهِ لِإِثْبَاتِهِ النِّتَاجَ فِيهَا قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ شَاتَانِ فِي يَدِ رَجُلٍ أَحَدُهُمَا بَيْضَاءُ وَالْأُخْرَى سَوْدَاءُ فَادَّعَاهُمَا رَجُلٌ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمَا لَهُ، وَأَنَّ هَذِهِ الْبَيْضَاءَ، وَلَدَتْ هَذِهِ السَّوْدَاءَ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمَا لَهُ، وَأَنَّ هَذِهِ السَّوْدَاءَ، وَلَدَتْ هَذِهِ الْبَيْضَاءَ فِي مِلْكِهِ فَإِنَّهُ يَقْضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالشَّاةِ الَّتِي ذَكَرَ شُهُودُهُ أَنَّهَا وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ النِّتَاجَ فِيهَا بِالْبَيِّنَةِ وَصَاحِبُهُ أَثْبَتَ فِيهَا مِلْكًا مُطْلَقًا وَالْبَيِّنَةُ عَلَى النِّتَاجِ أَوْلَى مِنْ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ذِي الْيَدِ أَوْ الْخَارِجِ.
قَالَ وَإِذَا كَانَتْ شَاةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا شَاتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ فَقَضَى الْقَاضِي لَهُ بِهَا، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا شَاتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ، وَقَالَ ذُو الْيَدِ لِلْقَاضِي: قَدْ قَضَيْتَ لِي بِالْوِلَادَةِ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ، وَإِلَّا أَعَدْتُهَا فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُ أَنْ يُعِيدَ بَيِّنَتَهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْبَيِّنَةِ الْأُولَى كَانَ عَلَى خَصْمِهِ خَاصَّةً فَيَجْعَلُ إقَامَتَهَا فِي حَقِّ الثَّانِي وُجُودًا وَعَدَمًا بِمَنْزِلَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ بِهِ لِلْمِلْكِ وَثُبُوتُ الْمِلْكِ بِالْبَيِّنَةِ فِي حَقِّ شَخْصٍ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ فِي حَقِّ شَخْصٍ آخَرَ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ يَصِيرُ ذُو الْيَدِ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ فَإِنْ أَعَادَ بَيِّنَةً قَضَى بِهَا لَهُ تَقْدِيمًا لِبَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ فِي النِّتَاجِ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْهَا قَضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي فَإِنْ قَضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي، ثُمَّ أَقَامَ الْمَقْضِيُّ لَهُ الْأَوَّلُ شُهُودَهُ عَلَى الْوِلَادَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْبَلُ بَيِّنَتَهُ وَيُبْطِلُ قَضَاءَهُ لِلْآخَرِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَفِي الْقِيَاسِ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ تَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْ جِهَةِ الْمَقْضِيِّ لَهُ.
وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ مَنْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ يُثْبِتُ أَوَّلِيَّةَ الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّ هَذَا الْعَيْنَ حَادِثٌ عَلَى مِلْكِهِ فَلَا يَتَصَوَّرُ اسْتِحْقَاقَ هَذَا الْمِلْكِ عَلَى غَيْرِهِ فَلَمْ يَصِرْ ذُو الْيَدِ بِهِ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ أَخْطَأَ فِي قَضَائِهِ، وَأَنَّ أَوَّلِيَّةَ الْمِلْكِ لِذِي الْيَدِ فَلِهَذَا انْقَضَى قَضَاؤُهُ بِخِلَافِ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَإِنْ (قِيلَ) الْقَضَاءُ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ مَعَ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ عَلَى النِّتَاجِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُ اللَّهُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُنْقَضَ قَضَاءُ الْقَاضِي لِمُصَادَقَتِهِ مَوْضِعَ الِاجْتِهَادِ.
(قُلْنَا) إنَّمَا يَكُونُ قَضَاؤُهُ عَنْ اجْتِهَادٍ إذَا كَانَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ قَائِمَةً عِنْدَهُ وَقْتَ الْقَضَاءِ فَتُرَجَّحُ بِاجْتِهَادِهِ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ مَا كَانَتْ قَائِمَةً عِنْدَ قَضَائِهِ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ عَلَى اجْتِهَادٍ بَلْ كَانَ لِعَدَمِ مَا يُدْفَعُ مِنْ ذِي الْيَدِ فَإِذَا أَقَامَ حُجَّةَ الدَّفْعِ انْتَقَضَ الْقَضَاءُ الْأَوَّلُ وَعَلَى هَذَا لَوْ أَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَقَضَى الْقَاضِي بِهَا لَهُ، ثُمَّ أَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ يَقْضِي بِهَا لَهُ وَيَنْتَقِضُ الْقَضَاءُ الْأَوَّلُ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: أَمَةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا قَضَى لَهُ بِهَا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَمَتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فِي وَجْهٍ مِنْهَا يَقْضِي الْقَاضِي بِهَا لِلْمُدَّعِي بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ إذَا شَهِدَ شُهُودُ الْمُدَّعِي أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا قَضَى لَهُ بِهَا مُطْلَقًا، وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى هَذَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّ ذَلِكَ الْقَاضِيَ إنَّمَا قَضَى لَهُ بِهَا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ ذِي الْيَدِ أَوْ وَهَبَهَا لَهُ فَلَا تَكُونُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ عَلَى الْوِلَادَةِ فِي مِلْكِهِ مُبْطِلًا لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْقَضَاءُ بَلْ يَكُونُ مُقَرَّرًا لَهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ فَسَّرَ شُهُودُ الْقَضَاءِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ فَهُوَ آكَدُ فِي تَنْفِيذِ ذَلِكَ الْقَضَاءِ، وَالْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ أَنْ يَشْهَدَ شُهُودُ الْمُدَّعِي أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا قَضَى لَهُ بِهَا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ أَوْ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَّهَا أَمَتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي أَوْلَى فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ، وَلَا يَنْقُضُ الْقَاضِي الثَّانِي قَضَاءَ الْأَوَّلِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ عَلَى الْوِلَادَةِ فِي مِلْكِهِ أَوْلَى فَيَقْضِي بِهَا لَهُ.
وَجْهُ قَوْلِهِ إنَّ ذَا الْيَدِ لَوْ أَقَامَ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ الْقَاضِي الْأَوَّلِ نَقَضَ الْأَوَّلُ قَضَاءَهُ، وَقَضَى بِهَا لِذِي الْيَدِ فَكَذَلِكَ إذَا أَقَامَهَا عِنْدَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ قَضَاءِ الْأَوَّلِ عِنْدَ الثَّانِي بِالْبَيِّنَةِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ مُبَاشَرَتِهِ الْقَضَاءَ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ لَمَّا بَيَّنُوا سَبَبَ الْعَقَارِ إلَى احْتِمَالِ التَّمَلُّكِ عَلَى الْيَدِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ.
وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي الْأَوَّلِ نَفَذَ بِيَقِينٍ فَلَيْسَ لِلثَّانِي أَنْ يُبْطِلَهُ مَعَ الِاحْتِمَالِ كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَبَيَانُ الِاحْتِمَالِ هُنَا إذَا قَالُوا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ اشْتَرَاهَا مِنْ ذِي الْيَدِ، وَلَكِنَّهُمْ تَرَكُوا هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِلتَّلَبُّسِ عَلَى الْقَاضِي بِأَنْ قَالُوا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَّهَا وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ ذِي الْيَدِ كَانَ أَقَامَ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ ذَلِكَ الْقَاضِي فَتَتَرَجَّحُ شَهَادَةُ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَقَضَى بِهَا لَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ قَضَاءً نَافِذًا لَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِهَذَا لَا يَنْقُضُ الثَّانِي قَضَاءَ الْأَوَّلِ مَعَ الِاحْتِمَالِ وَمِثْلُ هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا يُوجَدُ إذَا أَقَامَ ذُو الْيَدِ بَيِّنَةً عَلَى الْوِلَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي الْأَوَّلِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَنَازَعَا فِيهَا خَارِجَانِ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَمَتُهُ قَضَى لَهُ بِهَا قَاضِي بَلَدِ كَذَا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَّهَا لَهُ عَلَى هَذَا، وَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَمَتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقْضِي بِهَا لِصَاحِبِ الْوِلَادَةِ وَعِنْدَهُمَا يَقْضِي بِهَا لِصَاحِبِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ مَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَجُوزُ نَقْضُ الْقَضَاءِ كَمَا بَيَّنَّا قَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ وَوَقَّتُوا وَقْتًا فَكَانَ الْعَبْدُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَصْغَرَ مَعْرُوفٌ فَشَهَادَةُ الشُّهُودِ بَاطِلَةٌ؛ لِتَيَقُّنِ الْقَاضِي بِمُجَازَفَتِهِمْ فِيهَا، وَهَذَا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ الصَّوَابَ فِي الْقَضَاءِ نِصْفَانِ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ عَلَى غَيْرِ الْوَقْتَيْنِ أَوْ كَانَتْ مُشْكِلَةٌ أَنَّهُ فِي أَحَدِ الْفَصْلَيْنِ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الْوَقْتَيْنِ فَالْجَوَابُ بُطْلَانُ الشَّهَادَتَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.